لا يختلف اثنان في أهمية روضات الأطفال ودورها المحوري في العملية التعليمية والتربوية. هي حجر الزاوية في تحقيق أهداف التعليم المبكر التي تسعى وزارة التربية والتعليم إلى ترسيخها، وتعتبر ضرورة ملحة لا يمكن الاستغناء عنها. إذا كانت هذه المؤسسات بهذه الأهمية القصوى، فلماذا تترك وحيدة تواجه التحديات؟ ولماذا لا تُذلل العقبات أمامها لترتقي بمستواها وتصل إلى معايير جودة عالمية؟
هذه التساؤلات مشروعة قانونياً وأخلاقياً واجتماعياً، وتتطلب إجابات واضحة وخطوات عملية ناجعة لتغيير واقع هذه المؤسسات وتحويلها إلى بيئة محفزة للنمو والتعلم.
العقبات والتحديات الراهنة
من خلال متابعة المهتمين بالتعليم المبكر، تبرز عدة موانع وعقبات تحول دون ارتقاء روضات الأطفال وازدهارها. هذه العقبات ليست مستعصية الحل إذا ما توفرت الإرادة الجادة من الجهات المعنية بالتعليم في البلاد. أبرز هذه التحديات تشمل:
- ضعف الاستيعاب للأهداف الوطنية: عدم ربط المناهج والبرامج بشكل كافٍ بالأهداف التربوية الوطنية الشاملة.
- غياب خطط استراتيجية شاملة: عدم وجود خطة واضحة ومستمرة لتطوير وتنمية رياض الأطفال من خلال التدريب المستمر.
- نقص الكوادر المتخصصة: قلة الفرص الأكاديمية المتخصصة في التعليم المبكر، مما يؤثر على جودة الكوادر التعليمية.
- صعوبة الإجراءات الرسمية: تعقيد الإجراءات الإدارية والتراخيص المطلوبة لتأسيس وتشغيل الروضات.
- الأعباء المالية: ارتفاع التكاليف التشغيلية، بما في ذلك فواتير الكهرباء والماء والإيجارات والرسوم البلدية، مما يشكل عبئاً كبيراً على المالكين والمشغلين.
- نقص الدعم من القطاع الخاص: ضعف مساهمة الشركات والمؤسسات الكبرى في دعم وتجهيز الروضات.
- أزمة المساحات المخصصة: صعوبة توفير أراضٍ بمساحات مناسبة تلبي متطلبات الروضات الحديثة.
- قلة مشاركة المجتمع المدني: عدم كفاية دور مؤسسات المجتمع المدني والجمعيات الخيرية في الدعم المالي والمعنوي.
- حاجة المناهج للتطوير: الحاجة لتحديث المناهج بشكل دوري لتواكب أحدث النظريات التربوية والنفسية والاجتماعية.
طموحاتنا وحلول مقترحة. لكي تتمكن رياض الأطفال من أداء دورها بفعالية وتحقيق الأهداف المرجوة منها، لا بد من تبني حزمة من الحلول المتكاملة التي تتطلب تضافر جهود جميع الأطراف المعنية: - توضيح وتعزيز الأهداف الوطنية: يجب أن تعمل وزارة التربية والتعليم على دمج الأهداف الوطنية بوضوح في سياسات وبرامج رياض الأطفال، وتقديم الدعم اللازم لضمان استيعابها وتطبيقها.
- خطة استراتيجية شاملة للتطوير: وضع خطة استراتيجية وطنية للتعليم المبكر، تتضمن برامج تدريب وتطوير مستمر للمعلمات والإدارات، وتحديد معايير جودة واضحة للأداء.
- تأهيل الكوادر المتخصصة: فتح قسم متخصص في الجامعات الوطنية، مثل جامعة البحرين، لتخريج كوادر متخصصة في التعليم المبكر، مع توفير برامج الدراسات العليا في هذا المجال.
- تبسيط الإجراءات الحكومية: إعادة النظر في الإجراءات الرسمية وتبسيطها لتسهيل تأسيس وتشغيل الروضات، وتقليل البيروقراطية التي تعيق عملها.
- تخفيف الأعباء المالية:
- الإعفاء من الرسوم الحكومية: دراسة إمكانية إعفاء روضات الأطفال من بعض الرسوم الحكومية مثل رسوم الكهرباء والماء والبلدية، أو تقديم دعم مالي مباشر لتغطية جزء من هذه التكاليف. * مساهمة شركات الاتصالات: تشجيع شركات الاتصالات على تقديم دعم مالي أو إعفاءات من رسوم خدمات الإنترنت والهاتف للروضات كجزء من مسؤوليتها المجتمعية.
- تخصيص الأراضي للمؤسسات التعليمية: العمل على تخصيص أراضٍ بمساحات مناسبة لاحتياجات روضات الأطفال ضمن المخططات العمرانية الجديدة، وتوفيرها بأسعار رمزية أو بنظام حق الانتفاع طويل الأمد.
- شراكة فاعلة مع القطاع الخاص: حث الشركات الكبرى والمؤسسات الاقتصادية على المساهمة في تجهيز ودعم روضات الأطفال بمتطلباتها اللازمة، سواء كان ذلك بتقديم التبرعات العينية أو الدعم المالي. يمكن تقديم حوافز ضريبية لهذه الشركات لتشجيعها على المشاركة.
- تفعيل دور المجتمع المدني: تعزيز دور مؤسسات المجتمع المدني والجمعيات الخيرية في تقديم الدعم المالي والمعنوي لروضات الأطفال، وتنظيم حملات توعية بأهمية التعليم المبكر.
- تطوير المناهج بشكل مستمر: تشكيل لجان متخصصة تضم خبراء في علم النفس والاجتماع والتربية لتطوير المناهج الدراسية، مع الأخذ في الاعتبار آراء واقتراحات إدارات ومعلمات الروضات، لضمان ملاءمتها لاحتياجات الأطفال وتحديات العصر.
بهذه الخطوات المهمة والمتكاملة، يمكننا القول إن التعليم المبكر في البلاد سيسير بخطى ثابتة نحو بناء جيل واعد ومستقبل مشرق. وبدون هذه الجهود المشتركة، ستبقى رياض الأطفال غارقة في وسط التحديات والعقبات والمعاناة المالية والمكانية، مما يؤثر سلباً على مستقبل أطفالنا وتقدم مجتمعنا.