الاتحاد العام لنقابات عمال البحرين

حالهم يصعب على الجميع!!

في الصميم
لطفي نصر
لا يملك المرء إلا أن يحيِّي نواب البحرين على وقفتهم الباسلة مع الموظفين وكلّ العاملين البحرينيين في القطاع الخاص.. وإن لم تكن هذه الوقفة المشرّفة هي الأولى من نوعها فإنها -بكل تأكيد- كانت الأقوى والأشدّ بسالة ومنطقية.. فقد بلغت روعة الطرح فيها حدّ حكمة القول والتبرير!
فهل هناك حكمة أبلغ من قولهم: إن موظف القطاع الخاص هو المنتج.. والسند الحقيقي للاقتصاد الوطني.. بينما الموظف الحكومي غير منتج.. ومع ذلك فهم يغدقون على غير المنتج ويعاقبون المنتج!
وقالوا: جرّاء هذا الجفاء الذي يمارسونه إزاء موظف القطاع الخاص.. وبسبب كل هذا الإهمال والازدراء.. أصبح عمال وموظفو القطاع الخاص البحرينيون يعتبرون أنفسهم أجانب وليسوا بحرينيين.. فهل هناك ما هو أروع من ذلك بلاغة في القول وفي إحقاق الحقّ؟!
وممّا قالوه أيضا: إنّ الدولة تأخذ من العامل في القطاع الخاص قبل صاحب العمل رسوما وخصومات (1%) وغير ذلك من أعمال القطع.. ثم يفاجأ الملأ كله بأنّ حصيلة ما يتمّ الحصول عليه من القطاع الخاص يحرم منها العامل في هذا القطاع وتُوجَّه في معظمها إلى الموظف الحكومي.. فنجد -كما قال النائب علي الدرازي- أنّ الانفاق على القطاع الوظيفي الحكومي في الميزانية بلغ مليارا و200 مليون دينار.. وآخر أعمال الاستفزاز الموجَّهة نحو العاملين بالقطاع الخاص هو مرسوم توجيه 50% من حصيلة رسوم العمل إلى الخزانة العامة.. بينما لا يوجَّه غير الوهم إلى العاملين في القطاع الخاص!
وهنا لوحظ ما يرقى إلى مرتبة الصرخة من تحت القبة.. صرخة جأر بها النواب قائلين: إن ما يؤخذ من عمال القطاع الخاص يذهب إلى موظفي الحكومة.. بينما الواجب والحق هو أن ما يؤخذ من القطاع الخاص يجب أن يعود على موظفي وعمال القطاع الخاص.
وقالوا: هل يقوى أحد على أن يكذب القول بأن الإغداق يمارس جله على موظفي الحكومة.. وأن كل المزايا والحوافز والإكراميات والترقيات.. والزيادات والعلاوات الدورية المتدفقة توجَّه كلّها إلى موظفي الحكومة.. وأن موظف القطاع الخاص ما هو إلا متفرّج ومتحسّر ومُستَفَزّ!
ولما كان ممثلو الحكومة في الجلسة يمثلون حائط صدّ صلدا: بينهم ثلاثة وزراء عتاة.. وزير المالية.. الوزير عبدالعزيز الفاضل.. وزير العمل، ومعهم كوكبة الجالسين صفا واحدا على يمينهم.. وكلهم يحاولون -باستماتة- إقناع السادة النواب بالتراجع عن مشروعهم بإنشاء صندوق لتحسين أوضاع العاملين بالقطاع الخاص تتحمل الحكومة فيه 28 مليون دينار فقط.. لما كانوا قد ساقوا مبرّرات لموقفهم، بعضها مقنع.. والبعض الآخر غير مقنع.. ومن بعض المقنع الذي ساقوه أن تدخل الحكومة بتمويل تحسين أوضاع العاملين بالقطاع الخاص، المستفيد الوحيد منه هم أصحاب العمل وحدهم الذين يركنون إلى تحمّل الدولة كلّ شيء.. بينما تحسين أوضاع العاملين في خدمتهم واجب أصيل عليهم هم قبل غيرهم وأنه مهما قدمت الدولة، فإن مشكلة عمال وموظفي القطاع الخاص تبقى على حالها من دون حلّ.. أو حتى مجرّد حلحلة.
ومن بين غير المقنع الذي ساقوه ولا يملك ذرة واحدة من وجاهة أو منطق.. هو المطالبة بالعمل على تنفيذ مشاريع يقوى بها الاقتصاد ويشتدّ ويزدهر.. وهنا تكون عملية تحسين أوضاع العاملين والموظفين مباحة ومتاحة!!
بصراحة، رغم أنني أنتمي إلى القطاع الخاص.. وأشعر بالتعاطف مع السادة النواب في موقفهم ومشروعهم منذ أن بدأ طرح مشروعهم خلال الجلسة، فإنني قد وجدت نفسي على وشك الاقتناع بالرأي المعارض الذي يقول إنه مهما تدخلت الدولة أو موَّلت فإن أوضاع العمال والموظفين لن تتغير.. وإن صاحب العمل سيكون هو المستفيد الأول والأخير.. أي أن العمال والموظفين في القطاع الخاص سيظلون متفرجين! ووجه المنطقية في هذا الطرح تسانده مواقف ومبادرات كثيرة حدثت في الماضي من قبل الحكومة تجاه المؤسّسات والشركات من دون أن تتحرّك أوضاع العاملين في القطاع الخاص نحو التحسّن قيد أنملة.. ومنها -على سبيل المثال وليس الحصر- هذا التجميد الطويل لرسوم العمل بقرارات من سمو رئيس الوزراء من دون أن يعود ذلك بأي شيء على العمال والموظفين.. وترك هذه الشركات والمؤسّسات من دون ضرائب أو أعباء.. وتوجيه قدر ليس بالقليل من دخل صندوق تمكين لعون ودعم القطاع الخاص هو أيضا ما لم ينعكس على العمال الموظفين.
هذا الطرح الذي أضعف موقف النواب بعض الشيء جعل أحد السادة النواب يلقي بقفازه في وجه المعارضين قائلا: ليتحمّل صندوق تمكين هذا المبلغ المطلوب لدعم الصندوق المقترح لتحسين الأوضاع المالية لعمال وموظفي القطاع الخاص.. أو لتتوجه الأموال -التي يتمّ توجيهها الآن إلى أصحاب العمل عن طريق تمكين- إلى العمال والموظفين مباشرة لتخصّص لتحسين أوضاعهم المالية على هيئة تسويات وزيادات وترقيات.. الخ.
ولسان حال وزير العمل أمس الأول كاد ينطق بالحقيقة المـُرّة وبشكل غير مباشر عندما أشار إلى أنه يخشى من ظاهرة «الركون» لو تمادت الحكومة في أن تنوب عن أصحاب العمل في تمويل تحسين أوضاع موظفيهم وعمالهم!! كما قالها أحد أصحاب العمل صريحة وصادقة بل قوية عند تبرير موقفه المطالب بضرورة تحمل الحكومة مبلغ الـ28 مليون دينار المطلوب لصندوق تحسين أوضاع العاملين في القطاع الخاص قال: لو أجبرنا على رفع رواتب البحرينيين إلى (400) دينار شهريا مع تحمل التكلفة كاملة.. فإننا سنحملها على فاتورة المستهلك!!
موظفو وعمال القطاع الخاص في البحرين فعلا مظلومون «وحالهم يصعب على الجميع».. ذلك لأنهم قد تُرِكوا في العراء فريسة لأمزجة أصحاب العمل.. تُرِكوا من دون لوائح أو أنظمة أو قواعد واضحة وصارمة تساندها قوة القانون في مجالات: تحديد الرواتب.. والزيادات السنوية أو الاستثنائية.. والترقيات.. والبَدَلات.. والإجازات.. وباختصار معظم حقوقهم قد تركت من دون أي تنظيم أو تقنين.. رغم أنّ كلّ هذه الضمانات قد قدّمت على طبق من ذهب لعمال الحكومة وموظفيها، وحُرِم منها موظفو القطاع الخاص وعماله حرمانا كاملا إرضاءً لأصحاب العمل.. وما هم براضين!!
وسؤال واحد أوجّهه إلى السيد وزير العمل: ألم ينصّ القانون على إلزام الشركات والمؤسّسات في القطاع الأهلي بوضع لوائح معتمدة من مجالس الإدارة تحدّد قواعد منح كلّ هذه الحقوق، تُرسَل صورٌ منها إلى وزارة العمل كضمانة للالتزام والتنفيذ؟ أين هذه اللوائح؟.. هل وصلتكم لائحة واحدة منها؟!!
جريدة اخبار الخليج  – العدد  ١٣٠٧٥  – الخميس الموافق  ٩  يناير  ٢٠١٤،  الموافق  ٧  ربيع الأول ١٤٣٥ه
في الصميم

Image Gallery

,